رؤية الإمام الخامنئي (ره) في تفسیر انتظار ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه)
في العصر الحديث، لم يعد مفهوم انتظار ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه) محصورًا في إطار البحوث العقائدية والدينية فحسب، بل تحوّل إلى قضية شاملة تمتدّ آثارها إلى الثقافة والمجتمع والسياسة وبناء الحضارة. وفي خضمّ هذه الرؤية الواسعة، برز فكر الإمام الخامنئي (رحمةُ الله عليه)، القائد الحكيم الثاني للثورة الإسلامية، بوصفه أحد أكثر تيارات فكرية عمقًا وتأثيرًا في فهم قضية المهدوية وكيفية إعداد المجتمع لاستقبال المنقذ الموعود.
وقد سار آية الله الخامنئي على النهج النيّر للإمام الخميني، فواصل تطوير استراتيجيات التمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه)، بما ينسجم مع تحوّلات العصر ومتطلبات الواقع العالمي المعاصر. وكان يؤكد دائمًا ضرورة الحفاظ على مبادئ الإمام الخميني وإحياء أهدافه الكبرى، لذلك بقيت مفاهيم مواجهة الاستكبار، والسعي إلى العدالة، وتعزيز الثقة بالذات، والعمل على تأسيس الحضارة الإسلامية الحديثة، في صدارة توجيهاته ومشاريعه الفكرية والاجتماعية.
وفي السيرة العملية للإمام الخامنئي(رحمة الله عليه)، لم يكن انتظار الظهور مجرّد أمنية عاطفية ساكنة أو حالة من الترقّب السلبي، بل كان رسالة حيّة ومسؤولية متحركة تفرض على الإنسان أن يكون حاضرًا في ميدان العمل والبناء. فـ«الانتظار» عنده حركة دائمة تتجلّى في كل تفاصيل الحياة؛ تبدأ من تهذيب النفس وبناء الشخصية المؤمنة، وتمرّ بحسن التعامل مع الآخرين، وتمتدّ إلى إقامة العدالة الاجتماعية، وتحقيق التقدّم العلمي، وتعزيز الوعي الروحي، وإصلاح البنية الثقافية للمجتمع.
بعبارة أخرى، كان الإمام الخامنئي (رحمة الله عليه) يرى الانتظار رابطةً وثيقةً لا تنفصم بين الإيمان العميق والعمل الدؤوب؛ رابطةً تنقل الإنسان من موقع المتمنّي العاجز إلى مقام المنتظر الحقيقي الذي يشارك في صناعة المستقبل ويهيّئ الأرضية لدولة العدل الإلهي.
وفي عالمٍ يرزح تحت وطأة التسلّط العالمي، والانقسامات الطبقية الحادّة، والهجمات الثقافية الواسعة، قدّم الإمام الخامنئي (رحمة الله عليه) مفهوم الانتظار بوصفه مشروعًا عمليًا متكاملًا لصناعة التمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وبناء الحضارة الإسلامية الجديدة، مستندًا في ذلك إلى فهم عميق لتعقيدات العصر وتحدياته.
لكن ما هي الأعمال التي كان الإمام الخامنئي (رحمة الله عليه) يراها ضرورية لإعداد المجتمع لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؟ وما المسؤوليات التي رسمها للمنتظرين الحقيقيين؟
في السطور القادمة، سنتعرّف على أبرز محاور شكّلت منهجه في التمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، لنكتشف كيف تحوّل مفهوم الانتظار في فكره إلى مشروع نهضةٍ وبناءٍ وإصلاحٍ شامل.
حاكمية القرآن والإسلام
في المنظومة الفكرية والعملية لآية الله الشهيد السيد علي الخامنئي(رحمة الله عليه)، كانت حاكمية القرآن والإسلام تُعدّ خطوةً أساسية في إزالة العوائق والتمهيد لظهور وليّ العصر الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، لأنّ إقامة مجتمعٍ يمتلك قابلية حقيقية لاستقبال ظهور الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا يمكن أن تتحقق من دون سيادة الإسلام الأصيل وحاكمية القرآن الكريم.
وفي هذا السياق كان يقول: «نحن الذين ننتظر الإمام المهديّ(عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ينبغي لنا أن نبني حياتنا اليوم في الاتجاه نفسه الذي ستُقام فيه حكومة الإمام المهديّ (عليه آلاف التحية والثناء وعجّل الله تعالى فرجه).»[1] وقال أيضًا: «إنّ التمهيد لظهور المهديّ الموعود (أرواحنا فداه) يحتاج إلى إعداد الأرضية المناسبة، وهذه الأرضية تتمثل في العمل بالأحكام الإسلامية وإقامة حاكمية القرآن والإسلام…»[2]
ولم يكن المقصود بهذه الحاكمية مجرّد شعارات تُرفع، بل التطبيق الدقيق والشامل للأحكام الإلهية في جميع شؤون الحياة الفردية والاجتماعية. وانطلاقًا من فهمٍ عميق لاحتياجات الإنسان المعاصر، وتماما كما كان الحال مع الإمام الخميني (رحمةُ اللهِ عليه) ـ فقد كان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يرى أنّ الانبهار بالغرب والارتماء في أحضان المدارس المادية قد قادا البشرية إلى الضياع والانحراف، وأنّ العودة إلى الأطر الإلهية والوحيانية وحدها الكفيلة بإنقاذ الإنسان ومعالجة أزمات العصر المعقّدة.
ومن هنا، فإنّ كل تطوّر أو ابتكار أو تقدّم علمي وثقافي ينبغي أن يُقاس ضمن ميزان حاكمية الإسلام والقرآن، وأن يُوجَّه في ضوء القيم الإلهية. فحاكمية الإسلام ليست مجرّد واجب ديني فحسب، بل ضرورة عقلية وإنسانية لتحرير البشرية من ظلمات الظلم والانحراف، وإقامة العدل العالمي الذي تنشده الفطرة الإنسانية.
في ظلّ هذه الحاكمية، تتاح للإنسان فرصة الوصول إلى كماله الحقيقي، المتمثّل في العبودية لله تعالى والسير في طريق القرب الإلهي. ولهذا السبب، ظلّ الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) طوال سنوات قيادته يؤكّد باستمرار على ضرورة التطبيق الشامل للأحكام الإلهية في جميع الميادين الفردية والاجتماعية، وكان يرى أنّ كل خطوة تُتخذ نحو التنفيذ الحقيقي لأحكام الله وإحياء القيم الإسلامية، إنما هي في حقيقتها خطوة على طريق التمهيد للدولة الكريمة التي يقيمها الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
الحفاظ على روح الانتظار
كان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يؤكد دائمًا على ضرورة الحفاظ على روح الانتظار وتعزيزها، باعتبارها أعظم أبواب الفرج، وأحد أهم العوامل التي تحمي المجتمع من اليأس والخمول والانكسار. وكان يقول:«حين يرى الإنسان أمواج الظلم والظلمات وقد تكاثفت، قد يتسلّل إليه اليأس. لكنّ ذكر الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يذكّرنا بأنّ الشمس ستشرق حتمًا، وأنّ النهار آتٍ لا محالة… وهذه هي وعد الله المضمون: السلام عليك يا وعدَ اللهِ الذي ضَمِنَه… إنّ المؤمنين بظهور وليّ العصر ووجوده (أرواحنا فداه) لا يقعون أبدًا في اليأس والقنوط.»[3]
ومن منظور الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه)، فإنّ انتظار ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا يقتصر على إنقاذ الإنسان من الإحباط النفسي فحسب، بل يتحوّل إلى دافع حيّ وقوة محرّكة تدفعه نحو العمل والبناء في عصر الغيبة؛ لأنّ الانتظار الحقيقي يعني حالةً دائمة من الاستعداد والتهيّؤ.
إنّه استعداد يحرّر الإنسان من الشعور بالعبثية والضياع، ويحوّل الانتظار من مجرّد عقيدة قلبية إلى مسؤولية عملية ومشروع متواصل للتمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
وفي كلمات الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه): «إنّ الاعتقاد بالإمام المهديّ (أرواحنا فداه) ـ وإن كان أملًا ساميًا لا شكّ فيه ـ إلا أنّه أمل ينبغي أن يتبعه العمل. فالانتظار الذي تحدّثوا عنه ليس مجرد جلوس وبكاء… والإيمان بالإمام المهديّ لا يعني الانعزال والانكفاء.»[4]
ويقول في موضع آخر: «الانتظار حركة، وليس سكونًا. الانتظار ليس أن يترك الإنسان الأمور ثم يجلس منتظرًا أن تتحقق من تلقاء نفسها. الانتظار هو الاستعداد والتهيّؤ…»[5]
وعلى هذا الأساس، كان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يرى أنّ المنتظر الحقيقي لا يجلس مترقبًا المعجزة دون عمل، بل يجاهد نفسه، ويبتعد عن الراحة والترف، ويسعى بوعيٍ وصبرٍ لتوفير الأرضية اللازمة لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وتحقيق المشروع الإلهي الكبير. ومن هنا يبرز سؤال مهم: ما المقصود بهذا «الاستعداد» الذي كان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يدعو إليه بوصفه تمهيدًا حقيقيًا لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
الاستعداد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
في سيرة آية الله الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه)، يُعدّ الاستعداد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من أعظم واجبات المنتظرين؛ فهو تكليف يبدأ من بناء الإنسان لنفسه، ثم يمتدّ ليشمل تعبئة المجتمع بأسره من أجل تحقيق الأهداف الإلهية والتمهيد لظهور الإمام المنتظر.
ومن منظور الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه)، لا يقتصر هذا الاستعداد على الجانب الروحي أو الأخلاقي وحده، بل يشمل أيضًا الارتقاء بالمستوى الثقافي والعلمي والتقني والعسكري للأمة. ولهذا جاءت توجيهاته المتكرّرة حول ضرورة السعي لتحقيق العدالة، ونشر المعنوية، وخوض الجهاد العلمي، وترسيخ الاقتصاد المقاوم، وتعزيز القدرة الدفاعية، ومواجهة الحرب الناعمة، والانخراط في جهاد التبيين؛ وكلّها تصبّ في إطار إعداد الأرضية اللازمة لإقامة الدولة الكريمة والعدل العالمي بقيادة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
وفي هذا السياق يقول الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه): «إنّ الانتظار يعني أن نُعِدَّ أنفسنا لنكون جنودًا للإمام المهديّ… ولا ينبغي أن نظنّ أنّه ما دام الإمام المهديّ سيأتي ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا، فلا مسؤولية تقع علينا اليوم؛ بل العكس تمامًا، فإنّ علينا منذ الآن أن نسير في ذلك الاتجاه لنكون مهيّئين لظهوره المبارك… إنّ أعظم واجبات المنتظرين للإمام المهديّ هي أن يُعِدّوا أنفسهم معنويًا وأخلاقيًا وعمليًا، وأن يعزّزوا روابطهم الدينية والعقائدية والعاطفية مع المؤمنين، وأن يكونوا مستعدين لمواجهة المستكبرين والطغاة.»[6] وكما أشرنا سابقًا، فإنّ الاستعداد الحقيقي للظهور يمتلك أبعادًا واسعة ومتعددة، ومن أبرز هذه الأبعاد: إصلاح النفس، وإصلاح المجتمع، والسعي نحو التقدّم الشامل في مختلف الميادين؛ لأنّ الأمة التي تنتظر إقامة دولة العدل الإلهي، لا بدّ أن تكون هي نفسها سائرة في طريق البناء والإصلاح والنهوض.
إصلاح النفس والمجتمع
كان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يرى أنّ إصلاح النفس أولًا، ثم إصلاح المجتمع، يُشكّلان ركنين أساسيين في مشروع التمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ لأنّ بناء المجتمع الصالح لا يمكن أن يتحقق من دون بناء الإنسان الصالح، فإصلاح الداخل هو المقدّمة الطبيعية لإصلاح الخارج.
ولهذا كان يؤكد دائمًا على ضرورة تهذيب النفس وتعزيز الأسس المعنوية والأخلاقية، ويرى أنّ المنتظر الحقيقي هو ذلك الإنسان الذي يبدأ أولًا بإصلاح ذاته، ويعمل على التحلّي بصفات الإخلاص والتقوى والشجاعة والعدالة، ليقترب من النموذج الإنساني الذي يُنتظر منه أن يكون من أنصار دولة الظهور.
وجاء في توجيهاته: «أيّها الأعزّاء، وخصوصًا أنتم الشباب، كلّما بذلتم جهدًا أكبر في إصلاح أنفسكم، وفي تنمية المعرفة والأخلاق والسلوك واكتساب الكفاءات، فإنّكم ستقرّبون ذلك المستقبل الموعود أكثر؛ فهذا الأمر بأيدينا نحن. وإذا اقتربنا نحن من الصلاح، فإنّ ذلك اليوم سيصبح أقرب.»[7]
ومن هذا المنطلق، جاءت جهود الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) المتواصلة لرفع مستوى الوعي العام، ونشر ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الفساد، والدفاع عن الفئات المستضعفة، بوصفها خطوات عملية لإصلاح المجتمع ووضع الأسس الحقيقية للمجتمع المهدوي. وكان يؤكد باستمرار أنّ الانتظار ليس حالة جامدة، بل مسؤولية تُلقي على الإنسان واجبات فردية وجماعية، وفي مقدّمتها الإصلاح الذاتي والاجتماعي. وفي هذا المعنى يقول: «إنّ هذا الانتظار يقتضي الصلاح والعمل. يجب أن نصلح أنفسنا، وأن نكون من أهل العمل بما يُدخل السرور على قلب ذلك الإمام العظيم. وإذا أردنا أن نوفّر لأنفسنا هذا الصلاح والإصلاح، فلا يمكننا بطبيعة الحال أن نكتفي بالعمل الفردي فقط، بل هناك واجبات تقع على عاتقنا في المجتمع، وفي الوطن، بل وعلى المستوى العالمي أيضًا، ويجب القيام بها.»[8] وهكذا، كان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) ينظر إلى مشروع التمهيد للظهور على أنّه مشروع إصلاح شامل يبدأ من أعماق النفس الإنسانية، ثم يمتدّ ليشمل المجتمع بأسره، حتى يصبح العالم أكثر استعدادًا لاستقبال دولة العدل الإلهي بقيادة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
التقدّم الشامل
من الركائز الأساسية الأخرى في مشروع الاستعداد والتمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في فكر وسيرة آية الله الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه)، قضيةُ التقدّم الشامل للأمة؛ إذ كان يعدّه أحد الأعمدة الرئيسة للمجتمع المنتظر. فبحسب رؤيته، لا يمكن لمجتمعٍ يعاني التخلّف والضعف في ميادين العلم، والتكنولوجيا، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والقدرة العسكرية، أن ينهض بوصفه نموذجًا حيًّا للحضارة الإسلامية المنشودة. غير أنّ مفهوم التقدّم عند الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) لم يكن مفهومًا ماديًا أو تقنيًا بحتًا، بل كان يرى أنّ أيّ نهضة مادية حقيقية لا بدّ أن تقوم على أرضية من الرقيّ الأخلاقي والنموّ المعنوي للمجتمع؛ فالتقدّم الذي ينفصل عن القيم الروحية قد يمنح الإنسان أدوات القوة، لكنه لا يمنحه البصيرة والاتجاه الصحيح.
ومن هنا، كان يعتبر أنّ التقدّم الشامل يساهم في تعزيز قدرات الأمة واقتدارها، ويبعث روح الأمل والحيوية والثقة بالنفس في المجتمع، كما يهيّئ البيئة المناسبة لتحقيق الأهداف الكبرى للثورة الإسلامية والاستعداد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). ومن أبرز مظاهر هذا التوجّه، دعمه الواسع والحاسم للمسيرة العلمية والبحثية في الجامعات ومراكز الدراسات؛ إذ كان يكرّر التأكيد على ضرورة «الجهاد العلمي» وإنتاج المعرفة، ويرى في ذلك مسؤولية أساسية تقع على عاتق النخب العلمية والجامعيين. كما كان هذا القائد الحكيم يؤكد باستمرار على مفهوم «الاقتصاد المقاوم» وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مختلف المجالات، معتبرًا أنّ التقدّم الحقيقي هو ذلك التقدّم الذي ينبع من القدرات الداخلية للأمة، ويقوم على الصمود أمام الضغوط الخارجية والتحديات العالمية، لا التبعية والارتهان للآخرين.
المقاومة ورفض الخضوع للهيمنة
تُعدّ مواجهةُ نظام الهيمنة العالمي من أبرز المحاور في البناء الفكري للإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) في مشروع التمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). وهذا التوجّه يمتلك بُعدين متلازمين: بُعدًا دينيًا عقائديًا يستند إلى تأكيد القرآن الكريم على رفض المؤمنين للخضوع والاستسلام للطغيان،[9] وبُعدًا سياسيًا وحضاريًا يرتبط بضرورة تعزيز مكانة الجمهورية الإسلامية واستقلالها في النظام الدولي.
وقد كان آية الله الشهيد السيد علي الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يشبّه نظام الهيمنة بأخطبوطٍ خطير يمدّ أذرعه ليطوّق العالم بأسره، ويرى أنّ هذا النظام يقوم على ركنين أساسيين: الأول: المستكبرون والهيمنة العالمية، وهم القوى العظمى المتسلطة. والثاني: الخاضعون للهيمنة، وهم الذين يقبلون بتدخّل تلك القوى الوقح والمتعجرف في شؤونهم. وفي رؤيته، فإنّ كلا الطرفين يتحمّل مسؤولية قيام هذا النظام واستمراره؛ ولذلك كانت الجمهورية الإسلامية ـ في نظره ـ ترفض الظلم والاستكبار بكل أشكاله، وتقف في مواجهة النظام القائم على الهيمنة والاستعباد.
وكان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يؤمن بأنّ الإسلام الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن مقاومة الظلم والاستعمار والاستغلال وإهانة الشعوب؛ فحيثما حضر الإسلام الأصيل، حضرت معه روح العزة والكرامة ورفض الخنوع. وفي هذا السياق يقول: «اليوم توجد دولة ظالمة كأمريكا، تمتلك ثروات هائلة وتجهيزات حديثة… هذا الشيطان الظالم المعتدي الذي يهين شعوب العالم بتجبّر… يمكن هزيمته بسهولة في منطقتنا، المنطقة الإسلامية… الإسلام عزيز ويمنح العزة… والإيمان بالإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا يسمح للناس بالاستسلام، شرط أن يفهموا هذا الاعتقاد فهمًا صحيحًا!…»[10]
ومن منظور الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه)، فإنّ خضوع أي شعب أو دولة لهيمنة القوى المتسلطة أمرٌ مرفوض تمامًا؛ لأنّ نتيجة ذلك هي ضياع مصالح الشعوب، وسلب هويتها، وتحطيم كرامتها الإنسانية.
وكان يقول: «إذا استسلم شعبٌ لهيمنة القوى الكبرى في العالم، فقد ضاع وانتهى أمره. وكل أمة تتنازل عن شرفها الوطني، واقتدارها، وإرادتها المستقلة، فإنها تنحدر إلى وادٍ من الضعف الذي لا نهاية له، وإلى هاوية لا يُعرف قرارها.»[11]
كما كان يؤكد: «إنّ الاستسلام للمتجبرين في العالم يشجّعهم على مزيد من الطغيان… ولهذا لا يبقى أمام الشعوب إلا طريقٌ حقيقي واحد، وهو طريق المقاومة.»[12]
وهكذا، كانت المقاومة في فكر الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل ثقافة إيمانية وحضارية عميقة، تُعيد للأمة عزّتها واستقلالها، وتُعدّها لتكون جديرة بحمل مشروع العدل الإلهي العالمي الذي سيقيمه الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
الرؤية الحضارية
كان آية الله الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يرى أنّ الغاية النهائية والعليا في مشروع التمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) تتمثل في إقامة «الحضارة الإسلامية الحديثة». والمقصود بهذه الحضارة: بناء نظام إسلامي قادر على تحويل المجتمع إلى النموذج الإسلامي المنشود، وتقديم إجابة شاملة عن حاجات الإنسان في الحاضر والمستقبل؛ مجتمعٍ يجتمع فيه العلم والتقدّم، والعزة والعدالة، والقدرة على مواجهة التحديات العالمية، إلى جانب الرفاه والقوة والازدهار.
وبتعبير آخر، فإنّ الحضارة الإسلامية الحديثة ـ في رؤيته ـ ليست حضارةً مادية جافة، بل حضارة يتحقق فيها الارتقاء الأخلاقي والسموّ الروحي جنبًا إلى جنب مع التطور المادي والحياتي.
وكان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يؤمن بأنّ إيران قادرة على بلوغ قمّة الحضارة الإسلامية، وأنّ الوصول إلى هذه القمّة مسؤولية جماعية تقع على عاتق جميع أبناء المجتمع، كلٌّ بحسب موقعه ودوره.
وفي نظره، عندما ينجح الشعب الإيراني في أن يقدّم نفسه للعالم بوصفه أمةً مسلمة بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ أمةً متقدّمة، قوية، كريمة، تحمل رؤية إنسانية تجاه الشعوب، وترفع راية الحضارة الإسلامية الحديثة، فإنّ هذا سيكون أعظم دعاية للإسلام وأبلغ شاهد على قدرته على قيادة البشرية. عندئذٍ ستتجه الشعوب الأخرى نحو هذا الطريق، وستتكوّن الأمة الإسلامية الكبرى؛ الأمة التي ستكون مصدر عزّة المسلمين، وسببًا في انتشار الإسلام في أنحاء العالم. وبذلك ستتحقق تلك الحضارة الإسلامية التي يُنتظر منها أن تتفوّق على الحضارة الغربية المادية المضلِّلة، وتعيد توجيه مسار الإنسانية نحو القيم الإلهية والعدالة الحقيقية.
وكان الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) يؤكد أنّ الخطوة الأولى في هذا الطريق هي أن يصبح الشعب الإيراني نموذجًا يُحتذى به، وأنّ تحقيق هذا الهدف يتطلّب جهدًا مشتركًا من جميع فئات المجتمع، من المسؤولين إلى عامة الناس.
وفي «بيان الخطوة الثانية للثورة»، خاطب الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) الشعب الإيراني قائلًا: «إنّ العقود القادمة هي عقودكم أنتم، وأنتم الذين يجب أن تحرسوا ثورتكم بخبرةٍ وحماسة، وأن تقرّبوها أكثر فأكثر من هدفها العظيم، وهو إقامة الحضارة الإسلامية الحديثة، والاستعداد لطلوع شمس الولاية العظمى (أرواحنا فداه).»[13]
كما خاطب المعلّمين والتربويين قائلًا: «يجب على التربية والتعليم أن تُخرّج أناسًا يمتلكون العلم والقدرة، ويتمتعون بالحكمة، والتقوى، والطهارة، والكفاءة، وروح الابتكار، والشجاعة، وروح المبادرة، وألّا يخافوا من العدو أو من التهديد، وألّا يقعوا في الغفلة والركود… إنّ تربية مثل هؤلاء البشر هي الأساس الحقيقي للحضارة الإسلامية الحديثة.»[14]
ومن منظور الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه)، فإنّ هدف كل مسلم ينبغي أن يكون الإسهام في إقامة هذه الحضارة الإسلامية الجديدة؛ لأنّ الأمة الإسلامية تمتلك طاقات هائلة، وإذا أُحسن استثمار هذه الطاقات، فإنّها ستبلغ ذروة العزة وتعيد بناء حضارتها العظيمة.
وفي المحصّلة، فإنّ انتظار ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في فكر وسيرة الإمام الخامنئي (رحمةُ اللهِ عليه) ليس حالة سلبية من الترقّب، بل مفهوم حيّ يحمّل الإنسان مسؤولية العمل والبناء؛ عملٍ يبدأ بإصلاح النفس والمجتمع، ويمرّ بإقامة العدالة، وتحقيق التقدّم العلمي والثقافي، والحفاظ على روح الأمل، والوقوف بثبات في وجه الهيمنة والاستكبار.
ومن هذا المنطلق، فإنّ التمهيد لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ينتهي ـ في رؤيته ـ إلى إقامة الحضارة الإسلامية الحديثة؛ حضارةٍ تقوم على دين الله، وتغيّر مسار التاريخ من عالمٍ تحكمه الهيمنة والاستعباد، إلى عالمٍ ينتصر فيه الحق، وتسود فيه حكومة الصالحين على الأرض.
[1] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في لقاء مع المسؤولين والناس في 12/03/1368 هجري شمسي.
[2] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في لقاء مع أهل قم في 19/02/1370 هجري شمسي.
[3] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في جامعة الإمام الحسين (عليه السلام) الضباطية بتاريخ 09/05/1396 هجري شمسي.
[4] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في ذكرى ميلاد الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بتاريخ 22/10/1381 هجري شمسي.
[5] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في ذكرى ميلاد الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بتاريخ 18/08/1387 هجري شمسي.
[6] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في ذكرى ميلاد الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في مصلى طهران بتاريخ 22/10/1381 هجري شمسي.
[7] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في ذكرى ميلاد الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بتاريخ 12/11/1379 هجري شمسي.
[8] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في جامعة الإمام الحسين (عليه السلام) الضباطية وتدريب الحراس بتاريخ 20/06/1396 هجري شمسي.
[9] «وَ لَنْ یَجْعَلَ اللَّهُ لِلْکافِرینَ عَلَی الْمُؤْمِنینَ سَبیلاً» (سورة النساء، الآية 141).
[10] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في لقاء مع مختلف شرائح الناس في ذكرى ميلاد الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بتاريخ 02/03/1369 هجري شمسي.
[11] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في لقاء مع أعضاء مجلس خبراء القيادة بتاريخ 16/07/1369 هجري شمسي.
[12] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في مراسم ذكرى رحيل الإمام الخميني (رحمه الله) بتاريخ 04/06/1387 هجري شمسي.
[13] بيان الخطوة الثانية للثورة بتاريخ 11/02/1397 هجري شمسي.
[14] تصريحات الإمام الخامنئي (رحمه الله) في لقاء مع المعلمين والمربين بتاريخ 01/05/1398 هجري شمسي.